قانون الرؤية في خطر.. حين يتحول حق الطفل إلى معاناة نفسية
في ظل تصاعد أعداد حالات الطلاق في المجتمع المصري، تبرز إشكالية خطيرة تمس أحد أكثر الأطراف ضعفًا وتأثرًا، وهم الأطفال. فكثير من الرجال الذين انفصلوا عن زوجاتهم، وكان ثمرة هذا الزواج أطفال، يواجهون واقعًا قاسيًا يتمثل في تعمد بعض الأمهات منع الأب من رؤية صغاره، ما يدفعه مضطرًا إلى اللجوء للقضاء ورفع دعوى رؤية للحصول على حكم قانوني يمكنه من لقاء أبنائه.
وعلى الرغم من أن القضاء غالبًا ما ينصف الأب بإصدار حكم بالرؤية، فإن هذا الحكم يظل قاصرًا في مضمونه وتأثيره، إذ تقتصر الرؤية في أغلب الأحيان على ثلاث ساعات أسبوعيًا داخل نادٍ اجتماعي أو مركز شباب قريب من محل إقامة الصغير، بما يعني أن الأب لا يرى أبناءه سوى مرة واحدة أسبوعيًا، وفي مكان عام، ولفترة زمنية محدودة لا ترقى إلى الحد الأدنى من التواصل الإنساني الطبيعي بين الأب وأبنائه.
آثار نفسية مدمرة على الطفل
هذا التنظيم الحالي للرؤية لا يمثل خطرًا على الأب فحسب، بل يشكل تهديدًا حقيقيًا للحالة النفسية للطفل. فالصغير الذي يُحرم من العيش الطبيعي مع والده، ويتحول لقاؤه به إلى موعد أسبوعي قصير، ينشأ وهو لا يدرك القيمة الحقيقية للأب في حياته. بل يصبح انتظاره لهذا اللقاء أشبه بحالة سجين ينتظر زيارة ذويه من أسبوع إلى آخر، وهو شعور كفيل بأن يترك آثارًا نفسية عميقة قد تمتد معه طوال العمر.
دعوة صريحة لمواجهة الخلل التشريعي
من هنا، يصبح من الضروري الاعتراف بوجود خلل حقيقي في قانون الرؤية بصورته الحالية، وهو خلل لا يجوز تجاهله أو التعامل معه باعتباره أمرًا اعتياديًا. فمصلحة الطفل تقتضي إعادة النظر في هذا التنظيم، والعمل على تعديل القانون بما يضمن حق الأب في استضافة صغاره، ويؤسس لمبدأ التربية المشتركة بين الأب والأم بعد الطلاق، بدلًا من الاكتفاء برؤية شكلية لا تحقق أي استقرار نفسي أو تربوي للطفل.
التأهيل النفسي… الحل الغائب
والأهم من ذلك، أن الحاجة باتت ملحّة لسن قانون جديد أو إضافة مادة إلى القانون الحالي، تلزم طرفي العلاقة الزوجية في حال وقوع الطلاق، سواء الأب أو الأم، بالخضوع لبرنامج تأهيلي نفسي تحت إشراف أطباء نفسيين وأخصائيين اجتماعيين. يهدف هذا البرنامج إلى تدريب الطرفين على كيفية التعامل السليم مع الأطفال بعد الانفصال، وتأهيلهم نفسيًا للمرحلة الجديدة، بما يضمن حماية الصغار من أن يكونوا ضحايا لصراعات الكبار.
الإطار القانوني الحالي
يُذكر أن تنظيم رؤية الصغير يخضع حاليًا لنص المادة (20) من القانون رقم 25 لسنة 1929، المعدلة بالقانون رقم 100 لسنة 1985، حيث نصت الفقرتان الثالثة والرابعة منها على أن:
-
إذا تعذر تنظيم الرؤية اتفاقًا، نظمها القاضي على أن تتم في مكان لا يضر بالصغير أو الصغيرة نفسيًا.
-
ولا يُنفذ حكم الرؤية قهرًا، ولكن إذا امتنع من بيده الصغير عن تنفيذ الحكم بغير عذر، أنذره القاضي، فإذا تكرر الامتناع جاز للقاضي بحكم واجب النفاذ نقل الحضانة مؤقتًا إلى من يليه من أصحاب الحق فيها لمدة يقدرها.
الخلاصة
يبقى الطفل هو الخاسر الأكبر في معركة قانونية لم تُصمم في الأساس لحمايته نفسيًا وتربويًا بالشكل الكافي. ومن ثم، فإن تعديل قانون الرؤية لم يعد ترفًا تشريعيًا، بل ضرورة مجتمعية تفرضها مصلحة الصغير، وهي المصلحة التي يجب أن تعلو فوق أي اعتبارات أخرى.
بقلم
المستشار محمد سعد زايد
محامي ومستشار قانوني

