محضر شرطة وتحريات المباحث.. هل يجوز أن يتوقف مصير متهم على ورقة تحريات؟
“التحريات وحدها لا تصلح دليلاً كافيًا للإدانة.“
هذه ليست وجهة نظر شخصية، وإنما مبدأ قانوني استقرت عليه أحكام محكمة النقض في العديد من أحكامها، والتي أكدت أن التحريات لا تعدو أن تكون قرينة أو عنصرًا من عناصر الاستدلال، ولا يجوز أن تُبنى عليها الإدانة ما لم تؤيدها أدلة أخرى مستقلة تطمئن إليها المحكمة.
ورغم وضوح هذا المبدأ، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه:
هل أصبحت التحريات في الواقع العملي أكثر تأثيرًا مما رسمه لها القانون؟
ما هي التحريات؟
التحريات هي وسيلة من وسائل الاستدلال التي تجريها جهات البحث الجنائي بناءً على تكليف من النيابة العامة، بهدف جمع المعلومات حول الواقعة محل التحقيق، والتحقق من مدى صحتها، والتوصل إلى ما قد يفيد سلطة التحقيق في كشف الحقيقة.
ومن الناحية القانونية، فإن التحريات لا تُعد دليلًا قائمًا بذاته، وإنما هي إجراء استدلالي يساعد سلطة التحقيق، ويظل خاضعًا لتقدير النيابة العامة والمحكمة في ضوء باقي الأدلة المطروحة بالأوراق.
أين تكمن الإشكالية؟
الإشكالية لا تكمن في التحريات ذاتها، فهي إجراء مشروع أقره القانون، وإنما تكمن في مدى الاعتماد عليها عمليًا، خاصة في بعض القرارات المتعلقة بالحبس الاحتياطي أو إخلاء السبيل.
ففي كثير من القضايا يلاحظ الدفاع أن التحريات تحظى بوزن كبير عند تقدير مدى جدية الاتهام، وهو ما يثير تساؤلًا مشروعًا:
هل يكفي رأي مأمور الضبط القضائي وحده لترجيح استمرار حبس متهم أو رفض إخلاء سبيله؟
الإجابة القانونية ينبغي أن تكون: لا.
لأن الأصل أن جميع الأدلة يجب أن تُقيَّم مجتمعة، وأن تُوزن في ضوء ما تحتويه أوراق الدعوى من أقوال وشهادات وتقارير فنية وقرائن وظروف الواقعة، لا أن تنفرد التحريات وحدها بتكوين القناعة.
حياد التحريات… ضمانة للعدالة
ومن أبرز النقاط التي تستحق المناقشة، أن من يجري التحريات في بعض الوقائع قد يكون هو نفسه مأمور الضبط القضائي الذي باشر إجراءات الضبط أو حرر محضر الواقعة.
ولا يعني ذلك التشكيك في نزاهة القائم بالتحريات، فالأصل في رجل الشرطة أنه يؤدي عمله وفقًا للقانون، إلا أن قواعد العدالة تقوم دائمًا على تعزيز الحياد وإبعاد أي شبهة قد تؤثر في الثقة بالإجراءات.
فالعدالة لا يكفي أن تكون عادلة، بل يجب أيضًا أن تبدو كذلك أمام الجميع.
ولهذا، فإن الفصل بين جهة الضبط وجهة إجراء التحريات في بعض القضايا قد يسهم في تعزيز الثقة في نتائجها، ويمنحها قوة أكبر أمام سلطة التحقيق والمحكمة.
ماذا تقول محكمة النقض؟
استقرت أحكام محكمة النقض على أن التحريات لا تصلح وحدها سندًا للإدانة، وإنما يجوز للمحكمة أن تستأنس بها إذا جاءت مؤيدة بأدلة أخرى تطمئن إليها.
وهذا الاتجاه القضائي يعكس فلسفة قانونية مهمة، وهي أن حرية الإنسان لا يجوز أن تُقيد بمجرد رأي أو استنتاج، وإنما يجب أن تستند إلى أدلة قانونية كافية ومشروعة.
هل نحتاج إلى تطوير منظومة التحريات؟
من وجهة نظري، فإن تطوير منظومة التحريات أصبح أمرًا يستحق الدراسة، ليس لأن النظام الحالي يفتقر إلى المشروعية، وإنما لأن تعزيز ضمانات العدالة يظل هدفًا دائمًا لأي منظومة قضائية حديثة.
وقد يكون من المناسب دراسة بعض المقترحات، مثل:
- الفصل – في بعض القضايا – بين جهة الضبط وجهة إجراء التحريات.
- إنشاء وحدات متخصصة لإجراء التحريات تحت إشراف مباشر من النيابة العامة.
- وضع معايير أكثر تفصيلًا لبيان مصادر المعلومات التي بُنيت عليها التحريات، كلما كان ذلك ممكنًا قانونًا.
- تكثيف الرقابة على إجراءات الاستدلال بما يعزز ثقة المتقاضين في منظومة العدالة.
مثل هذه الإجراءات لا تنتقص من دور أجهزة إنفاذ القانون، بل تدعم عملها، وتعزز الثقة في نتائجها.
العدالة لا تقوم على الظنون
إن الغاية الأساسية من التحقيق الجنائي ليست البحث عن إدانة شخص، وإنما البحث عن الحقيقة.
ولهذا، فإن كل إجراء يجب أن يكون وسيلة للوصول إلى الحقيقة، لا بديلًا عنها.
فالتحريات تظل أداة مهمة من أدوات الاستدلال، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى الدليل الوحيد الذي يُبنى عليه مصير إنسان، لأن الأصل في الإنسان البراءة، ولا تزول هذه البراءة إلا بأدلة يقينية تُعرض أمام قضاء مستقل يطمئن إليها.
الخلاصة
التحريات جزء مهم من منظومة العدالة الجنائية، ولا غنى عنها في كشف كثير من الجرائم، إلا أن قيمتها القانونية تظل محكومة بما استقر عليه القضاء، وهو أنها وسيلة استدلال وليست دليلًا مستقلًا للإدانة.
ومن ثم، فإن تعزيز ضمانات الحياد، وتطوير آليات إجراء التحريات، وتدعيمها بأدلة موضوعية أخرى، من شأنه أن يحقق التوازن بين حق المجتمع في مكافحة الجريمة، وحق الفرد في محاكمة عادلة تكفل له جميع الضمانات التي أقرها الدستور والقانون.
فالعدالة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأحكام الصادرة، وإنما بمدى اطمئنان الجميع إلى أن تلك الأحكام بُنيت على أدلة قانونية راسخة، لا على مجرد الظن أو الاستنتاج.



