تحت الوصاية.. هل تكون الأم هي الوصي على أموال أبنائها بعد وفاة الأب؟
حديثنا هنا ليس على مسلسل “تحت الوصاية” الذى اثار حالة واسعة من الجدل داخل المجتمع المصري، بعدما تناول قضية الوصاية على أموال القُصَّر، وطرح تساؤلات عديدة حول مدى أحقية الأم في إدارة أموال أبنائها بعد وفاة الأب.
وانقسمت الآراء بين مؤيد يرى أن الأم أولى الناس برعاية أبنائها وإدارة شؤونهم، ومعارض يرى أن القانون والشريعة الإسلامية قد نظما هذه المسألة بضوابط محددة لا يجوز تجاوزها.
وبعيدًا عن الأحداث الدرامية، يبقى السؤال الأهم:
من هو الوصي على أموال القاصر في القانون المصري؟ وهل تكون الأم هي الوصي تلقائيًا بعد وفاة الأب؟
أولًا.. ما المقصود بالوصاية؟
الوصاية هي نظام قانوني يهدف إلى حماية أموال القاصر والمحافظة عليها وإدارتها واستثمارها حتى يبلغ سن الرشد، وذلك بواسطة شخص يحدده القانون أو تعينه المحكمة إذا اقتضت الضرورة.
ومن المهم أن نوضح أن الوصاية تتعلق بإدارة الأموال، ولا تعني بالضرورة حضانة الطفل أو رعايته اليومية، فهذه مسألة تختلف عن الوصاية وتخضع لأحكام أخرى.
ثانيًا.. ما الفرق بين الولاية والوصاية؟
يخلط كثير من الناس بين مصطلحي الولاية والوصاية، رغم أن بينهما فرقًا جوهريًا.
فالولاية هي سلطة يقررها القانون لمن يتولى إدارة أموال القاصر ورعاية مصالحه وفق الأحكام القانونية.
أما الوصاية، فهي تنشأ عندما يعين الأب – أو من يملك ذلك قانونًا – شخصًا لإدارة أموال القاصر بعد وفاته، أو عندما تعين المحكمة وصيًا إذا لم يوجد من يتولى هذه المهمة.
وبالتالي، فكل وصي يتولى إدارة أموال القاصر، لكن ليس كل ولي يعد وصيًا.
ثالثًا.. من يتولى إدارة أموال القاصر بعد وفاة الأب؟
الأصل أن الأب هو الولي الطبيعي على مال أولاده القُصَّر طوال حياته.
فإذا توفي الأب، فإن القانون نظم ترتيب من يتولى الولاية على المال، مع مراعاة ما إذا كان الأب قد عيَّن وصيًا قبل وفاته من عدمه، وذلك وفقًا لأحكام قانون الولاية على المال.
كما أجاز القانون للأب أن يختار وصيًا على أموال أولاده القُصَّر قبل وفاته، ويُعرض هذا الاختيار على المحكمة المختصة لإقراره بعد الوفاة.
أما إذا لم يوجد وصي مختار، أو تعذر قيامه بمهمته، فإن المحكمة تتدخل لتعيين من تراه صالحًا لإدارة أموال القاصر، واضعةً في اعتبارها مصلحة القاصر في المقام الأول.
هل تصبح الأم وصية تلقائيًا؟
وهنا يقع الخطأ الأكثر شيوعًا.
فالكثير يعتقد أن الأم تصبح وصية على أموال أبنائها بمجرد وفاة الأب، إلا أن القانون لا يقرر ذلك على إطلاقه.
فالأم قد تُعيَّن وصية إذا رأت المحكمة أنها الأجدر بهذه المهمة، أو إذا توافرت الشروط القانونية لذلك، إلا أن الوصاية لا تثبت لها تلقائيًا بمجرد وفاة الزوج.
لذلك، يجب التفرقة بين الحضانة، وهي حق يتعلق برعاية الصغير وتربيته، وبين الوصاية على المال، وهي سلطة تتعلق بإدارة أموال القاصر والمحافظة عليها.
فالمرأة قد تكون حاضنة لأبنائها، وفي الوقت ذاته لا تكون هي الوصية على أموالهم إلا وفقًا للإجراءات التي رسمها القانون.
شروط الوصي
اشترط القانون فيمن يتولى الوصاية أن يكون أهلًا للقيام بهذه المهمة، وأن تتوافر فيه الأمانة والكفاءة وحسن الإدارة، وأن يكون قادرًا على المحافظة على أموال القاصر وتنميتها بما يحقق مصلحته.
كما يخضع الوصي لرقابة المحكمة، ويلتزم بتقديم الحسابات والتقارير التي يفرضها القانون، ولا يجوز له التصرف في بعض أموال القاصر إلا بعد الحصول على إذن من المحكمة، حمايةً لحقوق القاصر ومنعًا لأي تعسف أو إهدار لأمواله.
وماذا عن الشريعة الإسلامية؟
استمد المشرع المصري أحكام الولاية والوصاية من مبادئ الشريعة الإسلامية، مع تنظيمها في إطار قانوني يحقق مصلحة القاصر.
وقد اتفقت المذاهب الفقهية على مشروعية الوصاية لحماية أموال الصغار ومن في حكمهم، وإن اختلفت في بعض التفاصيل المتعلقة بترتيب من يتولى الولاية بعد وفاة الأب.
وقد أخذ القانون المصري بالرأي الذي يحقق استقرار المعاملات ويحافظ على أموال القاصر، مع منح القضاء سلطة الرقابة والتدخل كلما اقتضت مصلحة الصغير ذلك.
الخلاصة
الوصاية ليست امتيازًا يمنح لشخص دون آخر، وإنما هي مسؤولية قانونية وأمانة هدفها الأول حماية أموال القاصر ورعاية مصالحه.
كما أن الحضانة لا تعني بالضرورة الوصاية، والوصاية لا تثبت تلقائيًا لأي شخص بمجرد وفاة الأب، وإنما تخضع لأحكام قانونية دقيقة ورقابة قضائية مستمرة.
ولذلك، فإن الجدل الذي أثارته الأعمال الدرامية قد يكون مفيدًا إذا دفع الناس إلى التعرف على أحكام القانون، لكن المرجع الحقيقي في النهاية يظل نصوص القانون وأحكام القضاء، لا المشاهد الدرامية.
فحقوق القُصَّر لا ينبغي أن تُبنى على الانطباعات، وإنما على قواعد قانونية تحقق مصلحتهم وتحافظ على أموالهم ومستقبلهم.



