ما زالت الشهادة في جيبي.. لماذا لا تكفي الشهادة الجامعية للحصول على وظيفة؟
“ما اسمك؟”
“كم عمرك؟”
“خريج أي كلية؟”
“وأين ترى نفسك بعد خمس سنوات؟”
أسئلة حفظتها عن ظهر قلب.
لم تعد تثير بداخلي أي حماس، بل أصبحت بالنسبة لي إعلانًا رسميًا بأن مقابلة عمل جديدة ستنتهي كما انتهت كل سابقاتها.
اسمي يونس.
أبلغ من العمر تسعةً وعشرين عامًا.
خريج كلية التجارة بجامعة عين شمس.
أما إجابتي عن السؤال الأخير، فكانت دائمًا واحدة:
“أرى نفسي صاحب أكبر شركة في مصر.”
كنت أقولها بابتسامة.
لكن الحقيقة التي أخفيها داخلي كانت مختلفة تمامًا.
لم أكن أرى نفسي حتى محاسبًا بسيطًا في شركة صغيرة.
ليس لأنني لا أستطيع…
ولكن لأن الأمل كان يتراجع مع كل باب يُغلق في وجهي.
بداية الحلم
تخرجت في كلية التجارة وأنا في الثانية والعشرين من عمري.
كنت مملوءًا بالحماس، أؤمن أن الشهادة الجامعية هي مفتاح المستقبل، وأن الاجتهاد لا بد أن يجد طريقه إلى النجاح.
أعددت سيرتي الذاتية، وبدأت أتابع إعلانات الوظائف في الصحف ومواقع التوظيف، ولم أترك فرصة إلا وتقدمت إليها.
حضرت عشرات مقابلات العمل.
لكن النتيجة كانت واحدة…
“للأسف، ليس لديك خبرة.”
في البداية اقتنعت.
وقلت لنفسي إن المشكلة ليست في سوق العمل، بل فيَّ أنا.
رحلة الكورسات
قررت أن أستثمر في نفسي.
التحقت بدورات في المحاسبة، والتجارة الدولية، وإدارة الأعمال، وطورت لغتي الإنجليزية.
استغرقت هذه الرحلة نحو أربع سنوات كاملة.
كنت أظن أن كل شهادة جديدة تقربني خطوة من الوظيفة التي أحلم بها.
وعندما انتهيت، شعرت أنني أصبحت مستعدًا أخيرًا.
بل كنت على يقين أن الشركات ستتسابق للحصول علي.
لكن الواقع كانت له كلمة أخرى.
المقابلات التي لا تنتهي
عدت من جديد أرسل سيرتي الذاتية.
وعادت معي الأسئلة نفسها.
والإجابات نفسها.
ثم الجملة نفسها…
“سنتواصل معك قريبًا.”
كانت عبارة مهذبة، لكنها في معظم الأحيان تعني شيئًا واحدًا:
لن نتواصل معك أبدًا.
مرت الأيام…
ثم الأسابيع…
ثم الشهور.
ولم يرن الهاتف.
عندما فهمت اللعبة
بدأت أبحث عن أسماء الذين تم تعيينهم بدلًا مني.
وفي أكثر من مرة اكتشفت أن من حصل على الوظيفة أقل مني خبرة، وأقل تأهيلًا، لكنه كان يمتلك شيئًا لم أكن أملكه…
العلاقات.
وهنا تغيرت نظرتي إلى سوق العمل.
لم أعد أبحث أولًا عن الوظيفة المناسبة.
بل أصبحت أبحث عن شخص يعرف شخصًا يعمل داخل الشركة.
أصبحت أبحث عن الواسطة قبل أن أبحث عن الوظيفة.
قد لا تكون هذه الصورة منطبقة على جميع المؤسسات، فهناك جهات كثيرة تعتمد الكفاءة والشفافية، لكن إنكار وجود الواسطة في بعض أماكن العمل سيكون تجاهلًا لواقع يعيشه كثير من الشباب.
عندما تصبح الشهادة وحدها غير كافية
كانت أصعب لحظة عندما أدركت أن سنوات الدراسة، ثم سنوات الكورسات، لم تكن كافية وحدها لتحقيق حلم الوظيفة.
وأصبحت أتساءل:
هل المشكلة في الشهادة؟
أم في سوق العمل؟
أم في طريقة التوظيف؟
أم فينا نحن؟
تسعة وعشرون عامًا… وما زلت أنتظر
اليوم أبلغ التاسعة والعشرين.
لم ألتحق حتى الآن بأي وظيفة.
ورغم ذلك، يطلب مني المجتمع أن أخطب، وأتزوج، وأؤسس بيتًا، وأتحمل مسؤولية أسرة كاملة.
وكثيرًا ما أسأل نفسي:
كيف أتحمل مسؤولية أسرة، وأنا لم أستطع حتى الآن أن أؤسس حياتي المهنية؟
إنه شعور قاسٍ لا يعرفه إلا من عاشه.
ما زالت الشهادة في جيبي
في النهاية، تركت أمري لله.
فهو وحده القادر على أن يفتح الأبواب المغلقة.
لكنني تعلمت درسًا لن أنساه.
الشهادة الجامعية مهمة…
والعلم مهم…
والخبرة مهمة…
لكنها ليست دائمًا كافية وحدها.
وقد تكون الكفاءة هي الطريق إلى النجاح في أماكن كثيرة، بينما توجد أماكن أخرى تلعب فيها العلاقات دورًا لا يمكن إنكاره.
نظرت إلى شهادتي الجامعية طويلًا.
طويتها بهدوء.
وضعتها في جيبي.
وتركتها هناك…
لا احتقارًا لها، فهي ثمرة سنوات من الجهد، بل انتظارًا لليوم الذي تُمنح فيه الفرصة لمن يستحقها حقًا.
ومنذ ذلك اليوم…
ما زالت الشهادة في جيبي.



