الموقع الرسمي للمستشار محمد سعد زايد المحامي، استشارات ومقالات قانونية متخصصة في القانون المصري، وخدمات قانونية بالهرم وحدائق الأهراموالجيزة

المتهم بريء حتى تثبت إدانته.. هل فقد الناس الثقة في هذه القاعدة القانونية؟

“منذ أيام، كنت أجلس مع أسرة أحد المتهمين، أحاول أن أشرح لهم الإجراءات القانونية، فقاطعني أحدهم قائلًا: يا أستاذ… بلاش الكلام ده، المتهم في بلدنا مدان لحد ما يثبت إنه بريء.

توقفت للحظة

انتهى الحوار

لكن عبارته لم تنتهِ داخلي.

لم أغضب لأن الرجل لا يعرف القانون

بل حزنت لأنه لم يعد يثق فيه.

وهنا أدركت أن الخطر الحقيقي لا يكمن في جهل الناس بالقانون، وإنما في فقدانهم الثقة فيه.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع، ليس أن يجهل أفراده نصوص القانون، وإنما أن يفقدوا إيمانهم بعدالته.

فعندما يشعر المواطن أن العدالة لن تنصفه، وأن نتيجة القضية محسومة قبل أن تبدأ، فإنه يفقد ثقته في القضاء، ويفقد معها شعوره بالأمان، وهو أمر بالغ الخطورة على أي دولة تحترم سيادة القانون.

ولم يقتصر هذا الشعور على أهالي المتهمين فحسب، بل امتد أثره إلينا نحن، كمحامين.

فأصبح المحامي، في بعض القضايا، لا يدافع عن موكله أمام المحكمة فقط، وإنما يجد نفسه مضطرًا أولًا للدفاع عن فكرة العدالة نفسها، ومحاولة إقناع أهل المتهم بأن النيابة العامة ليست خصمًا لهم، وأن القضاء ليس عدوًا لابنهم، وأن المحاكمة لم تبدأ بإدانته، وإنما بدأت بالبحث عن الحقيقة.

وهذه في حد ذاتها معركة لا تقل صعوبة عن المرافعة داخل قاعة المحكمة.

من أين جاء هذا الشعور؟

السؤال الذي ظل يطاردني بعد ذلك الموقف كان بسيطًا في صياغته، لكنه بالغ الخطورة في مضمونه:

من الذي جعل بعض المواطنين يفقدون ثقتهم في قاعدة “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”؟

هل هو تراكم تجارب شخصية عاشها بعض المتهمين وأسرهم؟

أم أن بعض الممارسات الخاطئة، وإن كانت فردية، تركت أثرًا سلبيًا امتد إلى صورة منظومة العدالة بأكملها؟

وهل ساهم بعض المحامين – بقصد أو بغير قصد – في ترسيخ هذا الشعور عندما يلجؤون إلى استثارة مشاعر أهالي المتهمين، وتصوير الأمر وكأن مصير القضية قد حُسم سلفًا، لتحقيق مكاسب مادية أو مهنية؟

وهل يؤدي تكرار الطعن على قرارات إخلاء السبيل في بعض الحالات إلى ترسيخ الاعتقاد لدى البعض بأن الأصل هو استمرار الحبس، لا قرينة البراءة؟

وهل قد يسهم طول فترات الحبس الاحتياطي في بعض القضايا في تكوين انطباع لدى المتهم أو أسرته بأن العقوبة بدأت قبل صدور الحكم؟

وهل تؤدي بعض الأحكام المشددة في بعض القضايا إلى اعتقاد خاطئ لدى البعض بأن الغاية هي التشديد في العقاب أكثر من البحث عن الحقيقة؟

كلها أسئلة تستحق أن تُطرح

وليس المقصود منها توجيه الاتهام إلى أحد، وإنما البحث عن أسباب شعور بدأ يتسلل إلى نفوس بعض المواطنين، حتى أصبح من الضروري مواجهته بالحقيقة، لا بتجاهله.

إن الحفاظ على ثقة المجتمع في منظومة العدالة مسؤولية مشتركة، تبدأ من حسن تطبيق القانون، وتمر بسرعة إنجاز القضايا، وتنتهي بحسن التواصل مع المواطنين وشرح الإجراءات القانونية لهم.

النيابة العامة… ليست خصمًا للمتهم

ومن أهم المفاهيم التي يجب ترسيخها في أذهان الناس، أن النيابة العامة ليست خصمًا للمتهم.

فالنيابة العامة لا تسعى إلى الإدانة لذاتها، وإنما تسعى إلى الوصول للحقيقة، أيًا كانت تلك الحقيقة.

فإذا ثبت لديها أن الأدلة لا تكفي، أو أن المتهم بريء، فإن واجبها القانوني يقتضي أن تنتصر للحق قبل أي شيء آخر.

وكذلك لا يجوز أن تتحول الأخطاء الفردية – إن وُجدت – إلى أحكام عامة على مؤسسات عريقة حملت عبر تاريخها مسؤولية تحقيق العدالة وحماية المجتمع.

فلا توجد منظومة بشرية تخلو من الأخطاء، لكن وجود الخطأ لا يعني انهيار المنظومة، بل يعني ضرورة تصحيحه ومحاسبة مرتكبه.

المتهم… ليس مجرمًا

ولعل من أكثر الأخطاء شيوعًا بين الناس الخلط بين كلمتي متهمو**”مجرم“**.

فالمتهم هو شخص وُجه إليه اتهام بارتكاب جريمة، وما زال هذا الاتهام محل تحقيق أو نظر أمام القضاء.

أما المجرم، فهو الشخص الذي ثبتت مسؤوليته الجنائية بحكم قضائي نهائي.

والفرق بين الكلمتين ليس فرقًا لغويًا فقط، بل هو فرق يصنعه القضاء.

فليس كل متهم مجرمًا

كما أن كثيرًا من المتهمين انتهت قضاياهم بأحكام البراءة.

الحبس الاحتياطي لا يهدم قرينة البراءة

ويجب أيضًا أن يدرك الجميع أن حبس المتهم احتياطيًا لا يعني أبدًا سقوط قرينة البراءة.

فالحبس الاحتياطي ليس عقوبة، وإنما إجراء احترازي استثنائي يجيزه القانون إذا توافرت مبرراته، ويظل المتهم، رغم حبسه، بريئًا في نظر القانون حتى يصدر ضده حكم نهائي بالإدانة.

ولهذا، فإن قرينة البراءة لا ترتبط بحرية المتهم أو حبسه، وإنما ترتبط بالحكم القضائي الذي يفصل في الدعوى.

 

فقاعدة“المتهم بريء حتى تثبت إدانته.”

عبارة نرددها جميعًا، ونقرأها في كتب القانون، وندرسها في كليات الحقوق والشرطة والشريعة والقانون، حتى أصبحت من أكثر القواعد القانونية شهرةً واستقرارًا، بل أُطلق عليها بحق القاعدة الذهبية في القانون الجنائي.

ولم تكتسب هذه القاعدة أهميتها من كثرة تداولها فحسب، بل لأنها تمثل أحد أهم مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، والضمانة الحقيقية لكل إنسان قد يجد نفسه يومًا ما داخل دائرة الاتهام، سواء كان مذنبًا أو بريئًا.

ولهذا السبب، لم تخلُ دساتير الدول الحديثة ولا المواثيق والإعلانات الدولية لحقوق الإنسان من النص على هذا المبدأ، باعتباره حجر الأساس الذي تقوم عليه المحاكمة العادلة.

فالعدالة لا تبدأ بإدانة الإنسان، وإنما تبدأ بافتراض براءته.

فقد يكون المتهم بريئًا بالفعل، وقد يكون ضحية بلاغ كيدي، أو شهادة زور، أو تشابه أسماء، أو خطأ في الاستدلال، ولذلك كان من الضروري أن يظل بريئًا في نظر القانون إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي، يصدر بعد محاكمة عادلة تتوافر فيها جميع الضمانات القانونية.

ولهذا، فإن مرحلة التحقيق ليست مرحلة لإدانة المتهم، وإنما هي مرحلة للبحث عن الحقيقة.

كما أن صدور قرار بحبس المتهم احتياطيًا لا يعني أبدًا أنه أصبح مدانًا، فالحبس الاحتياطي ليس عقوبة، وإنما هو إجراء استثنائي تلجأ إليه النيابة العامة أو قاضي التحقيق إذا توافرت مبرراته القانونية، كالحفاظ على الأدلة، أو منع التأثير في الشهود، أو خشية هروب المتهم، أو غير ذلك من الأسباب التي حددها القانون.

ويبقى المتهم، رغم حبسه، متمتعًا بقرينة البراءة حتى يصدر ضده حكم جنائي نهائي وبات.

هذه هي القاعدة التي تعلمناها

وهذه هي القاعدة التي نؤمن بها

كلمة أخيرة

قد نختلف في تقييم بعض الإجراءات

وقد نختلف في تفسير بعض الأحكام

لكن يجب ألا نختلف أبدًا على قيمة العدالة.

فالعدالة لا تقوم فقط على نصوص القانون، وإنما تقوم أيضًا على ثقة الناس فيمن يطبق هذا القانون.

وحين يفقد المواطن ثقته في العدالة، يصبح إصلاح هذا الشعور واجبًا لا يقل أهمية عن تطبيق النصوص القانونية نفسها.

لذلك، فإن الحفاظ على قاعدة “المتهم بريء حتى تثبت إدانته لا يكون بترديدها في قاعات الدراسة أو كتابتها في نصوص القوانين فحسب، بل يكون بترسيخها عمليًا في وجدان المجتمع، حتى يشعر كل إنسان، مهما كان موقعه، أن العدالة لا تعرف خصمًا ولا حليفًا

وأن الحقيقة وحدها هي التي تنتصر في النهاية.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top